الفصل 1

كانت الغرفة ضيقة، كأنها صفحة نصف مكتملة في كتاب قديم؛ ضوء مصباح القراءة أسفل النافذة يضع ظلّ الأوراق كحروف نائمة على الطاولة. زهراء جلست على كرسيها الخشبي، بين قطع جلد قديمة وغراء مخصوص، تفتح بعناية صفحة كانت تقارب الانهيار. يديها تعرفان كيف تُعيدان للورق تماسكه من دون أن تُخفي أثر الزمن. العمل وحده كان يسحبها إلى هدوء يعادل نبض قلبها.


سمعت صرير الباب، أو ربما كان صوت الظل الذي ينسلّ تحت الباب: ظرف رفيع انزلق إلى فاصل الغرفة. توقفت عن الخياطة، رفعت رأسها. قلبها اكتفى بإصدار صوت واحد، صدى قديم يذكرها بأن العالم الخارجي لا يتوقف عند إغلاق الأبواب. مشت نحو الأرض، حملت الظرف بكف متهدّلة كما لو أن فيه كلمة أخيرة من والدها. لا توقيع، لا ختم، ورقة بيضاء عليها سطر واحد، ككلّ الرسائل التي تطلق رصاصة مموهة:


"احذري. يوم الجمعة."


لم يكن فيها تاريخ، ولا توقيت، ولا اسم. كانت كجملة قاسية تقطع سلاسل الأيام، تقفز بالزمن إلى يوم محدد تحسبه قريبًا. جمعة؟ ضغطت على الورقة حتى كاد الورق أن يفرّغ من الكلام. تذكرت حادث أبيها، الطرق المبللة آنذاك، الراية الحمراء على صفحة التقرير، الكلمات التي قالت إنّها "حُدوث عرضي". وكانت تملك رسالة — أوراقًا صغيرة حشوها بدمعها وفوقها أسماء، أدلةٍ بسيطة لكنها كافية لأن تقلب رواية الموت رأسًا على عقب. حملت تلك الأوراق طيّات تُسافر معها كلما فَرّرت. لم تُخبر أحدًا عن محتواها، خوفًا من أن يضعها أحدهم في ميزان رفضها. الآن، تبدو الرسالة البيضاء كتحذير أو تهديد؛ لا تدري أيّهما.


وضعت الورقة داخل الكتاب الذي كانت ترممه، بين ظهر الغلاف وصفحاته، لأن الكتب تعلمت كيف تحمي أسرار الآخر. لكن الخوف لم يترك صدرها، بل تكدّس في حلقها، تحاول أن تتنفس بصوت قليل حتى لا يسمع الممرّ.


رن الهاتف. الرقم ظهر بلا اسم. مؤقتًا، توقفت أنفاسها ثم أجابت. صوت من الجانب الآخر هادئ، منخفض، مرتّب كمن يزن كل كلمة قبل قولها.


"زهراء؟" قال الصوت. "أنا راشد."


سمعته للمرة الأولى في رسائل إلكترونية، في محادثات قصيرة عن مشاريع رقمنة ومخطوطات. لم تكن تعرفه، لكن صوته الآن حقيقياً كخيط يدخل نافذة في ليلة باردة. سجّل في نبرته حذر لا يفرض نفسه، حذر ورثه من تجارب لم يكشفها. قالت بصوت محبوس: "أنت— من أين لديك رقمي؟"


"نورة أختي أخبرتني أنك قد تكونين في خطر. هي تعمل تحقيقًا عن ملف قديم، وسمعت اسمك مرتبطًا ببعض المستندات. قلت لنفسي — إن كانت هذه زهراء التي تكتب عن الكتب— فلا بد أن أتصل. هل أنت بخير؟"


لم يكن في كلامه اندفاعٌ لإنقاذٍ مفاجئ، ولا مطالبة بفضح خزائنها. كان اقتراحًا هادئًا بأن يكون ذراعًا إذا احتاجت. لم تحب أن تكون ضمن صندوق أحد، ردت بحدة خفيفة، تحمي حدودها: "أنا مرتاحة. أفضّل أن تبقى الأمور خاصة."


صمت قصير، ثم قال بصراحة: "لا أطلب منك أن تقبلي مساعدة لا تريديها. فقط— إن سمحتِ، ابقي الباب مغلقًا غدًا، ولكلّ مفاجآت الجمعة خُطط مختلفة. ولا تفتحي لأي أحد يحمل اسم العائلة دون أن تتأكدي. أنا سأكون هنا إن احتجتِ إلى خطة. فقط قليلاً من الحذر."


ابتسمت زهراء رغم نفسها. كان يقترح شيئًا بسيطًا، لا أكثر. لكنها لم تصدقه تمامًا، ولم تبعده عن ذهنها. قالت بخفة: "ماذا تعرف أنت عن جمعتنا؟"


"لا شيء سوى الكلمة التي استقبلتها الآن تقلقني. تعالَ من باب الحذر: لا تكشفي أوراقك لأحد. وأخبريني إن كان هناك من يبحث عنك."


أغلقت المكالمة قبل أن تجيب. لا أحد يعرف مكانها بالضبط، إلا مريم التي سرّت عنها، وسالم الذي بدأ بالفعل رحلة بحث رسمية — أو ما اعتبرته أسرة بادرة تحضير. تذكرت كيف ترفض العائلة رغبتها في أن تختار مستقبلها هي، وكيف جرى الضغط منذ وفاة الأب حتى تحولت أصواتهم إلى طوق حول عنقها.


اقتربت من الشباك، رفعت الستارة قليلًا. الشارع يعكس ضوء مصابيح خافتة، رائحة البن المملوءة بأكوام المدينة. هناك، مركونة أمام الباب، رُفعت من مسافة لا تسترعي نظرًا، سيارة قديمة لونها أبيض، على بابها علامة صغيرة بارزة: خدش على الصندوق الخلفي يشبه الذي كان في سيارة سالم قبل ستة أشهر. قلبها توجع. كانت تعرف كل تفصيل في سيارة أخيها؛ لوحة صغيرة مكسورة، ملصق رأيناه قبل شهر على واجهة الزجاج. كيف عاد إلى هنا؟ ماذا يعني وجودها الآن؟


هاتفها في يدها، راشد على الطرف الآخر قد يقرأ صمتها عبر صفار الصوت: "هناك سيارة. قد تكون له."


"لا تخرجي." صوته صار صارمًا للمرة الأولى. "ابقِي داخل الغرفة. لا تردي على طرقات الباب. إذا حاول أحد الدخول، اسمعي.... اتصلي برقم الطوارئ، أو إن كان أمرك لميسور الاتصال بأحد تثقين به، افعلي. أنا على الطريق، لكن لا تتوقعي أحدًا ياتي بسرعة."


أغلقت الستارة كاملة، لكن الضوء الأبيض للسيارة دب في أعينها كما لو أنه نقش كلمة على جلد واقعها. أدركت أن الجمعة باتت في مكان قريب، وأن الرسالة التي استُشعرت كتهديد ربما كانت أول خيط في شبكة أوسع.


خاطبت مريم بصوت منخفض عبر نصف رسالة، أخرجت الورقة البيضاء من الكتاب وخبأتها داخل جوربها. كان لديها وقت قليل لتقرر: هل تُغادر قبل أن يعرفوا وجهها؟ هل تواجههم وتطالب بحريتها؟ بين هذه الأسئلة، سمعت خطوات على الدرج الخارجي — خطوات سريعة، قاسية، لا تبشر بخير. ثم، صوت باب يُفتح من الأسفل، ورشة معدنية أعقبتها همسة اسمها.


لا بدّ من قرار. وكان الصوت الذي نطقه راشد في سماعتها لا يملك سوى وعدٍ بوجوده، لا أكثر. وفي الخارج، توقف محرك السيارة، وكانت اللحظة قبل بزوغ الحقيقة أقسى ما عاشت.



إعدادات القراءة


لون الخلفية