الفصل 3

أدركت زهراء أن المكان المتفق عليه لا يحتاج إلى كلمات كبيرة. كان مخزناً صغيراً فوق المطبعة، نافذة واحدة تطل على سطوح المدينة وبقايا من زخارف حروف مطبوعة على حائطٍ أصفر. رائحة الحبر والجلد القديم احتفلت بوصولها؛ أسماء كتبٍ لم تُقرأ بعد تتناثر كجمهور صامت. أغلقت الباب وراءها بنصف قلب، ووضعت يديها على مقبض الباب كما لو كانت تستجمع عزمًا لتوقيع لا يُقرأ.


راشد جلس على صندوق خشبي، يراقبها بعينين خفيفتي العبء. لم يكن في حضوره أي إيماءة تفويض. كان يقيس المسافة بين الحرص والحرية، وكأنه يعلم أن أيَّ خطوة إضافية قد تُفسد الاتفاق قبل أن يُبنى.


"أحتاج أن أقولها الآن، قبل أي شيء." قالت زهراء بصوتٍ لا يسقط الكلمات في شقٍ واحد. "لا وعود. لا زواج. ولا قرارات تُتخذ عني باسم الأمان. إن أردتَ أن تساعدني فساعدني كشريكٍ لا كقاضٍ."


ابتسم راشد ابتسامةً صغيرة، لم تكن فرحًا بل اعترافًا. "لن أقدم وعودًا لا أستطيع الحفاظ عليها. لا أنوي ــ ولا أريد ــ أن أقرر عنك. خوفي الوحيد أن أكرر خطأً قد صنعته عائلتي مرة، حين اعتبروا الهروب تبريرًا لأخطار أكبر."


حركت حاجبها. "ما الذي أخافته عائلتك عن الهروب؟"


نطق باسماً وثقيلًا: "امرأة من أقاربنا هربت مرة. وثق بها رجلٌ صِدق نواياه ظاهريًا، لكنه استغل ضعفها لتقييدها بعقد كان أقسى من قيود بيتها السابق. ماتت حريتها ببطء، وماتت ثقتها بمن حاول أن يساعدها. لا أريد أن أكون ذلك الرجل—لا أريد أن أكون من يجعل من هروبك محطة جديدة للسجن."


سكتت زهراء للحظة. كانت كلماتُه مرآةَ خوفها الذي لم تتجرأ أن تنطق به: الخوف من أن تُستبدل حرّيتها بجميلٍ موهوم. "إذاً نُتفق على شرط واحد قبل أي خطوة: سأقرر أين أذهب ومتى أواجه ومن أخبره الحقيقة. أنت مساندٌ، لا راعٍ. إذا رغبت أن تُساعد فاعرض خيارات، وسأختار."


مد راشد يده، ثم تراجع عن أي حنوٍ مبالغ فيه. "أعرض عليك خياراتٍ عملية: مأوى مؤقت. محامٍ مختص في شؤون الأحوال الشخصية. وصِلة عملٍ في مشروع ترميم رقمي تتابعه شركتي مع ناشرٍ في الرياض. لن أفرض عليك شيئًا. فقط أطلب منك أن تبقي الهاتف مفتوحًا معي أثناء أي مواجهة مع العائلة، وأن تتفهمي أنني قد أتعامل مع أخواتي — نورة — للتحقق من سجلات ونُسخ محفوظة في الصحافة."


شرحت زهراء بخفةٍ حادة: "نورة؟ هل هي صحفية؟"


"نعم. نورة حاولت سابقًا التحقيق في عدة ملفات عن فسادٍ محلي، وهي لا تنشر شيء قبل أن تتأكد مما تملكه. لكنها قد تساعدنا بطريقة آمنة." نظر إليها راشد بعينٍ طمأنتها: "لكن لن أُدخل أحدًا إلى دوائرك دون موافقتك."


كانت تحس النوايا، لكن كان عليها أن تثبت حدودها. أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة، مطوية بعناية، وضعتها على الطاولة بينهما. "هذه رسالة. فيها ما أحتاج إلى حمايته أولًا. لن أُسلمها كليًا حتى أرى أن الحماية القانونية حاضرة. لكن سأعرض عليك نسخة مصدقة لتعرف من أين أبدأ."


فتح راشد الظرف بنعومة، قَرأَ خطوط الحبر كأنها ألحان. "هذا يكفي الآن لأن أضع خطة. لكن شرطٌ آخر: لا تصلي إلى أماكن يُمكن أن تقعين فيها بمفردك في مواجهة مباشرة مع ناظم. إنه... شخصٌ لا يحب الخسارة."


قالت زهراء بلا تردد: "ناظم يعرف أسرارًا، نعم. لكنه ليس مَن يحدد متى أواجهه. سأواجهه إن كنتُ جاهزة، ومع من أختار. لا أريد أن يخافني أحدٌ لأتراجع، ولا أن أُقاد إلى مواجهاتٍ تُعرض حياتي أو مهنتي للخطر."


توقف راشد قليلًا، ثم نطق بصراحة أكثر من قبل: "أحتاج أن اعترف بشيء. خوفي من أن يستعمل أحدهم رحمتك ضدك. أخشى أن يجعلوا من الوثيقة وسيلة للتنازل عن حقوقك تحت ضغط. هذا ما حصل مرة بعائلتي. لذلك، إن سمحتِ لي، أريد تنسيقًا بين محامٍ ونورة—بموافقتك—لكي تكون الوثيقة مُحصَّنة قانونيًا قبل أي مواجهة أو نشر."


لمست زهراء الطاولة بحركةٍ صامتة. كانت تحس بالخطوط تترسخ. "أقبل أن نتعاون على إضفاء حماية قانونية. ولا أقبل أي تدخل آخر."


هاتف راشد اهتزّ. نظر إلى الشاشة، ثم بنفسه رفض أن يجيب على أي مكالمة دون إذنها. بلسمت زهراء: "هل هي نورة؟"


هزّ الرأس. "نعم. سأخبرها أننا سنبدأ بالتدقيق. لكن لا تنسي: لي اقتراح عملي. لدى أحد معاوني في الشركة غرفة مؤقتة يستطيعون ترتيبها لك لبضعة أيام. ومعها بطاقة عملٍ تتيح لك مقابلات مع دور نشرٍ تهتم بالترميم. هذا الطريق قد يعيد لكِ استقرارك المهني بدون أن تكوني تحت رحمة أحد."


ابتسمت زهراء ابتسامة فيها ثقل وإشراق. "هذا يبدو منصفًا. أريد أن أعمل. أريد أن أُثبت أنني أملك ما يكفي لقيادة مستقبل مهنتي وقانوني. إن أعطيتني خياراً للعمل فسيكون ذلك أقوى من أي وعودٍ تطلبونها مني."


أثناءهما جاء إشعار صغير على هاتفها. كانت رسالة من مريم: "أقف خلفك. بيتنا مفتوح بعد الغد. لا تخبري أحدًا إلا من اخترتِ." شعرت دفقة محبةٍ صغيرة في صدرها. كانت مريم، كالعادة، هي اليد الصامتة التي تشهد على اختيارها.


تركتهما الدقائق تعيد ترتيب الخريطة. ثم انطلقت مكالمة عبر راشد؛ صوت نورة في الجانب الآخر، سريع الكلام لكنه محمّل بخبرٍ لم يكن في الحسبان. "وجدت شيئًا في أرشيف الجريدة القديمة، اسمٌ يتكرر في مراسلات قديمة بين وزارة ومقاول. الاسم ليس اسم عابر. إنه اسمٌ يدعم قرائن كثيرة."


ابتلع راشد أنفاسه. نظر إلى زهراء، وعيناها التقت بعينيه. "ما هو الاسم؟"


لكن قبل أن تنطق نورة بالكلمة، جاء طرقٌ على الباب من الخارج—قوي، متكرر، كما لو أن الحقيقة لا تنتظر شروطًا ولا مراعاة للاتفاقات. توقف الصمت للحظة واحدة قبل أن يهتزّ الوتر: طرقٌ أعاد صياغة كل خطة.


في الخارج، كان هناك صوتٌ واحد يصرخ باسمٍ أصبحا يعرفانه جيدًا.



إعدادات القراءة


لون الخلفية