الفصل 2

الدرج الخلفي كان أضيق مما تذكّرته، لكنه كان بابها إلى مدينة لا تدرّها العائلة ولا تزورها قيودها. دفعت زهراء الباب الخشبي بصمت، ثم انزلقت إلى الظل، ومعها الكتاب الذي خبأت فيه رسالة أبي، وجوربها حاملاً الورقة البيضاء. في الهواء كان رائحة الغراء القديم والدخان الذي ينساب من حول أكشاك الحي، وأصوات بغداد التي لا تصمت — بائعون يعلنون عن خبز، طفل يصرخ طلبًا مناديل، سيارة تمرّ بسرعة فتثير غبارًا قديمًا. كل هذا خَبأها لثوانٍ، وكفى أن تطول تلك الثواني إلى نصف حياة.


هاتفها اهتزّ في جيب معطفها. راشد. تنفّست له قبل أن تردّ. "أين أنتِ؟" سأل بصوت منخفض كما لو كان يتكلّم عبر خط رفيع يمرّ بين مبانٍ قد تنهار.


"خلف المتجر... خرجت من الدرج." قالت بسرعة، لا يمكنها إخفاء ارتعاش الكلمات.


"لا تركضي مباشرةً إلى الشارع العام. تحركي نحو السوق الصغير، ثم خذي يمينًا إلى الطريق الذي يمرّ بجانب المطبعة القديمة. هل تعرفين المكان؟"


عرفت. سنوات العمل في الكتب جعلتها تعرف كل حينٍ ومكان. "أعرفه. لكن هناك صوتان في الخلف. أسمعهم يلمحون لسيارة... كأنهم يتابعونني."


صمت لحظات ثم عاد صوته، أكثر حزمًا: "لا توقفي. حافظي على الهاتف في أذنك. سأنادي إن احتجتِ أن تغيّري الاتجاه. لا تقابلي أيّ سؤال. ولا تتوقّفي أمام نافذة."


ركضت، لكنها ركضت بخطوات محسوبة. هي ليست فتاة تهرب بلا تفكير؛ هي من تعيد كتابًا لتماسكه. كانت تستعمل المدينة ككتاب آخر، تفكّ شفرات الأزقّة. القمامة المبللة لاصقة بأحذيتها، رائحة القهوة المحمّصة أمام المقهى الصغير كانت تلاحقها، أما الناس فكانوا ستارًا يتحرك. مرت بجانب رجل يجرّ عربته، ولم يرفع نظره؛ مرت بجانب شاب يغلق بابه حين رأى وجهها المشدود. وراءها أتت أصوات تسرّع. خطى قابلة، ثم همسات: "إنها هنا... فيها أغراضها."


"هُم يذكرون خدش السيارة." قالت بصوت منخفض بين أنفاسها. "أحدهم قال 'كما في سيارة سالم'... كيف؟"


"ابقِ هادئة." كان رده سريعًا كالوميض. "همّهوكَ، لا يهم من قال. إذا كان هناك من يبحث باسم العائلة، فهم يتبعون أثرًا… لكن لا تسمحي لهم بأن يسبقوكِ إلى المطبعة. عندما تخرجي منها، التفتّي يسارًا ولا تكملي نحو النهر."


القلق في صوته لم يخفت عن الحرص؛ كان خائفًا، لكن الخوف لديه عبّر عن حرص وليس ضبطًا. في جملته كان احترامه واضحًا: لا يريد أن يفرض طريقًا عليها، بل يدير الخطر كما يدير طوفًا في النهر. "أنا هنا لأجلك، لا لأقرر عنك."


في السوق أقبلها مزيج من الألوان والأصوات. باعة الهواتف يصرخون بعروضهم، وبائعو القِطَع الورقية يلوحون بأقمشة ملونة. زهراء التفتت مرارًا، ورأت ظلّين يتحرّكان ببطء خلف صفوف البضائع، لا يجرؤون على الاختراق الكامل للزحمة، يختارون التهديد في قُبَل الهمسات. قلبها كان يقفز لكنها لم تتردد، كانت تختار.


رائحة الزعتر كانت قوية عند زاوية المطبعة؛ ضوء نحيل يتسلل من نافذة قديمة تزيّنها طبعات حبرية. تقاطعت طرق، فاختارت اليمين كما قال. أصوات المطاردة تضيق، تقترب. أحد الملاحقين تعثّر عند صناديق، ولحظة من الارتباك أعطتها وقتًا لخطوتين إضافيتين. ثم وقع شيء مستقر في ذهنها: شارة معدنية صغيرة ملقاة قرب باب مطبعة، نقش عليها رمز سيارة قديمة — نفس الخدش على الصندوق الخلفي. علامةُ تكرار.


راشد هدأها من خلال تعليمات قصيرة وتلقائية؛ كانت أوامره تصبح كإيقاع، "توقفي خلف الباب الخشبي، انتظري ثلاث ثوانٍ، ثم اركضي إلى السلم." نفّذت، وحين وصلت إلى السلالم الحجرية المؤدية إلى جسر المشاة، تذكرت أن النهر هناك يمر ببطء لكنه يشفِر خيوط المدينة. كان صوت المحركات أعلى الآن، وقربهم سيارة توقفت فجأة تضيء المصباح. لم يكن ركابها يهمّهم الضوضاء.


قُبالة الجسر، رأتها عينان تعرفانهما قبل أن تعرفهما هي: راشد واقف تحت مصباح خافت، بقميص بسيط، وكف يلوح لتشير إليها أن تنحرف باتجاهه. عنده كان الارتياح ممزوجًا بالخوف. ولكن خلفه، على الرصيف الآخر، ظلٌّ أكبر بكثير؛ ضربة معروفة في الحائط تذكّره بزيارة لمكان ما سابقًا، وقطعة قماش صفراء تطفو من جيب الرجل كوشاح — كان نفس النسيج الذي يخص العم ناظم، ذلك الرجل الذي تتبع أخبار العائلة منذ زمن، والذي جرت له لغة الحضور في الحكايات العائلية، رجل يملك معرفة أعمق من قدر ما يبوح به. عيناه تقابلا مع زهراء ونبرتهما في آن واحد; لم تعرف إذا كان هو أم فقط يحمل علامات ذوقه.


راشد لم يتقدّم بقوة، لكنه امتدّ يده إلى زهراء كما لو يعرض شراعًا. "ثقي بي." هذه الجملة لم تكن إنقاذًا يُلزمها به، كانت عرضًا لرافد يختار أن يسير معها. هي ردّت عليه، وابتسامة قصيرة مرّت مثل خيط رفيع: "لا أريد منقذًا يعيدني إلى قفصه. أريد شريكًا في قراراتي."


أمسك بيدها فعلاً، بلطف، وبعدها دقائق شعرت بها تقبل هذا الشريط من الوداع والاعتماد. لكن الخلفية لم تهدأ؛ الصوت الذي ناداها منذ أسفل الدرج، الصوت الذي همس باسمها في تلك الليلة، لم يكن بعيدًا الآن. جاء من الجهة الأخرى من الجسر — صوته أكّدته كأن شرارته كانت محفوظة في الذاكرة: "زهراء!" نطق الاسم كما لو أنه مفتاح. ركضت الأنفاس في صدرها، ومعها صمت راشد الذي صارما يحدق خلفه.


حين دارت، رأته يقف بمفرده، لم يعد الظل هو فقط. كان الخط الذي لم تفكر أن يظهر في هذا الزحام: العم ناظم. ابتسامته نصفها معرفة، نصفها تهديد. كانت المدينة كلها تَحمِل أمكنتها الشاهدة، لكنه هذا اللقاء الذي صحبه كلّ صدى الحكاية—لم يكن صدفة.


نظر راشد إلى ناظم، وعيناه ضاقتَا، تعانقان قرارًا لم تُعلنه الكلمات بعد. زهراء شعرت بأن الأرض التي تختبئ فيها كلّ أدلتها تهتز. كلمات ناظم كانت خفيفة لكن حادة: "أبحث عنك منذ الصباح. أين ستذهبين بهذه السرعة، يا بنتي؟"


لم تكن هذه استفسارًا بريئًا. كان السؤال بوابة. وفي ذلك الجسر، مع المطر الذي لم يهطل بعد، ومع نهرٍ يحتفظ بسرٍّ قديم، اجتمعت كل أطراف البحث حول سؤال واحد: من يملك الحق في أن يقرر مصير زهراء؟


والجواب لم يظهر بعد، لكنه اقترب مع خطواتٍ تقترب أكثر.



إعدادات القراءة


لون الخلفية