كان الصقيع في تلك الليلة الحالكة لا يحمل رائحة الشتاء العادية، بل رائحة الدم اليابس والحديد القديم. طفت أشرعة سفن "إيلوريا" على سطح البحر المظلم كأنها ظلال لأرواح ضائعة، بينما كانت "سيلين" تقف على سطح السفينة الرئيسية، تشعر ببرودة الأغلال المصنوعة من الفضة السحرية وهي تحفر في معصميها الرقيقين. لم تكن الأغلال لتقييد حركتها الجسدية فحسب، بل كانت تكبل تدفق السحر في عروقها، تضغطه حتى يحترق ببطء كجمر تحت رماد بارد.
قبيلتها، قبيلة "الرياح المشتعلة"، باعت حريتها بلا شروط أو معارك تُذكر؛ استسلم شيوخ القبيلة خوفاً من جحافل إمبراطور الظلال "مالكازار"، وقرروا أن يقدموا سيلين، الساحرة الوحيدة التي تحمل دماء الجد الأكبر، كرهينة سياسية لضمان بقائهم.
"لا تبكي يا سيلين.. الدم الذكي يعرف متى ينحني ليعيش"، هكذا تردد في أذنها صوت زعيم القبيلة الأجش قبل أن يغلقوا بوابات الحصن في وجهها. لكن سيلين لم تكن تعتزم الانحناء؛ كانت دروعها الوحيدة هي كبرياؤها، وخنجر مخبأ بعناية تحت طيات رداؤها الأسود، وخاصة قدرتها الفطرية على قراءة نبض الأشياء من حولها.
بعد ساعات، رست السفن عند الميناء السفلي لـ "العاصمة السوداء" (أوبسيديان). قاعة الاستقبال الكبرى في قصر الإمبراطور لم تكن مجرد حجرة عادية، بل كانت مسخاً معمارياً مرعباً؛ جدرانها مسلوبة من الصخور السوداء المصقولة كالمرآة، وسقفها يعج بتماثيل لآلهة قديمة منسيّة تنظر إليك باحتقار صامت. النيران المزرقة وحدها كانت تضيء المكان، ترمي بظلال طويلة ومرعبة على التماثيل والجنود الواقفين كتماثيل الجرانيت حول العرش.
على عرش من الفولاذ الأسود والجليد الأزرق، كان "مالكازار" يجلس. لم يكن مجرد رجل، بل كان تجسيداً للقسوة المطلقة. شعره الغرابي المنسدل على كتفيه، وعيناه اللتان تشبهان شظايا من الجليد المحترق، كانتا كفيلتين بتجميد الكلمات في الحلق. ارتدى عباءة من فرو ذئاب الشمال المعززة برموز سحرية داكنة، ولم يكن يصدر عنه أي صوت سوى ذلك التنفس الهادئ المنتظم الذي يشبه إيقاع عاصفة بعيدة.
تقدّم قائد الحرس ودفعه برفق، فوقعت سيلين على ركبتيها أمام درجات العرش، لكنها رفعت رأسها فوراً لتلتقي عيناها بعيني الإمبراطور المباشرتين.
قال مالكازار بصوت عميق، جهوري، يهز أركان القاعة ويجعل النيران المزرقة تتراقص في خوف:
ـ "إذن.. هذه هي الهدية الثمينة التي أرسلها عجائز الرياح المشتعلة. ساحرة ضعيفة بمفتاح مقفل، تُلقى إلى عرين الذئاب لتنقذ رقابهم الواهية."
ردت سيلين وصوتها يحمل رنيناً حديدياً حاداً يخلو من أي خوف حقيقي:
ـ "الذئاب يا إمبراطور الظلال لا تعيش طويلاً إذا ظنت أن طريدتها سهلة المراس. أنا لست هدية، ولا قرباناً. أنا غصة ستبقى في حلقك حتى تتقيأ غرورك."
ساد صمت مطبق في القاعة؛ صمت جعل الجنود يحبسون أنفاسهم، متوقعين أن يمر سيف الإمبراطور عبر رقبتها في نفس اللحظة. لكن مالكازار لم يتحرك. بالعكس، انحنى قليلاً إلى الأمام على عرشه، وتوسعت حدقتا عينه بابتسامة خفيفة باردة لا تصل إلى وجهه أبداً. نهض ببطء، وخطا نحوها خطوات بطيئة وثقيلة، وكأن كل خطوة منه تزن طناً من الرعب.
توقف أمامها مباشرة، ومال برأسه ليتشمم رائحة الهواء المحيط بها. قال بصوت هامس لا يكاد يسمع، لكنه اخترق عقلها مباشرة:
ـ "شجاعة حمقاء لساحرة مسلوبة القوة.. لنتعوذ إذن يا سيلين، ولنرى كم من الوقت سيبقى هذا اللسان الطويل ينطق بالتهديد قبل أن يتحول إلى صقيع أبدي بين يديّ."
مدّ يده الحارقة بالبرودة والظلمة، وأمسك بذقنها بقوة ليرغمها على مواصلة النظر إليه. في تلك اللحظة التي لامست فيها أصابعه بشرتها، تدفق تيار كهربائي غريب، مزيج من سحرها المشتعل وسحره الجليدي، ليسحق الفراغ بينهما في ومضة حارقة جعلت قلب سيلين يخفق بعنف لأول مرة منذ دخلت هذا الجحيم.
استدار مالكازار فجأة وأمر حراسه قائلاً بصوت صارم:
ـ "خذوها إلى برج الشمال.. البرج المنسي. ولا تطعموها سوى ما يبقيها حية. أريد أن أختبر كم يتحمل هذا الجسد من قسوة الظلام."
قادوها بوحشية عبر الممرات المظلمة الرطبة، وصولاً إلى باب حديدي ضخم صلب عزلها عن العالم كله. أُلقيت في زنزانة حجرية باردة، ليس فيها سوى نافذة صغيرة تطل على الهاوية السوداء، ورائحة رطوبة وعفن. لكن ما لم يكن يعلمه الحراس، وما لم يلاحظه مالكازار، هو أن اللمسة الخاطفة بينهما، ذلك التماس السحري المفاجئ، أيقظ جزءاً محبوساً في أحجار أساور الفضة... لقد بدأ سحرها يلتهم قيد الفضة من الداخل ببطء شديد، كالنار تحت الرماد.
جلست سيلين في زاوية الزنزانة المظلمة، متمسكة بخنجرها الخفي، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها المجروحتين. رفعت بصرها نحو نافذة البرج الصغيرة، لتلمح وميضاً غريباً في سماء القصر البعيدة... كأن هناك من يراقب البرج من الخارج، وشخص آخر يراقبه من الداخل، بينما كانت طوابير المؤامرات السياسية في العاصمة السوداء تبدأ في التحرك بخفاء تام.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبصوت هادئ يشبه حفيف الأفاعي، تردد صدى خطوات تقترب من الباب الخارجي للزنزانة... خطوات لم تكن لجندي أو حارس، بل كانت أصوات خطوات حذاء حريري ناعم، يليه صوت مفتاح يدور ببطء شديد في قفل الباب الحديدي المصدأ.