الفصل الخامس: دماء على عتبة البوابات الغربية

كانت البوابات الغربية لقصر "أوبسيديان" تتحطم تحت وقع ضربات سحرية هائلة تطلقها كرات من اللهب البرتقالي المشتعل. النار، التي أوقدها فرسان قبيلة "الرياح المشتعلة" في محاولة يائسة لاختراق الحصن المنيع، تناثرت ألسنتها لتضيء السماء الداكنة بلون الدم والكهرمان. الحراس الملكيون كانوا يتساقطون تباعًا تحت وطأة الهجوم المباغت، بينما كانت صرخات الحرب تمتزج بأصوات الرياح العاتية.


وسط هذه الفوضى العارمة، ظهر "مالكازار" وسيلين جنبًا إلى جنب على الشرفة الحجرية العلوية المطلة مباشرة على الساحة الخارجية. كان الإمبراطور يرتدي درعه الأسود الكامل، وكان سيفه المسحور ينبعث منه توهج بارد يخترق عتمة الليل، بينما كانت يدا سيلين تحترقان بلهب أزرق نقي، يتراقص كأنه أرواح غاضبة تبحث عن ثأرها.


التفت مالكازار برأسه قليلاً نحوها، وقال بصوت خشن ينافس هدير الريح:
ـ "يبدو أن أهلكِ اختاروا نهايتهم بأنفسهم يا سيلين. هل ما زلتِ تشعرين بأي ولاء لتلك الدماء الخائنة؟"

نظرت سيلين إلى الساحة أدناه، حيث كان شيخ القبيلة العجوز "جالور" يقف متربعًا على صهوة حصان حديدي، يوجه جنوده نحو البوابات بصراخه الأجش. شعرت ببرودة غريبة تجتاح قلبها، لا علاقة لها بصقيع مالكازار، بل بمرارة الخيانة الطويلة. أجابت بصوت حاد يقطر ثقة:
ـ "لم يعد لي أهل سوى من يشاركونني جحيمي يا مالكازار. افتح لي البوابة، وسأريك كيف تحاسب ابنة الرياح من باعوها بثمن بخس."

لم يتردد الإمبراطور لثانية واحدة؛ بمرونة مذهلة، رفع سيفه وأشار نحو البوابة الرئيسية، ليأمر حراسه بفتحها على مصراعيها. وفي اللحظة التي انفتح فيها السور الضخم، انطلقت سيلين كالسهم المشتعل نحو الساحة، مخلّفة وراءها أثرًا من الضوء الأزرق الساطع.

توقف الشيخ "جالور" عن الصراخ حين رأى السفينة البشرية تخرج من القصر، لكن صدمته تحولت إلى ذهول حين اكتشف أن الفتاة التي أرسلها قربانًا للموت هي نفسها التي تقف أمامه الآن كآلهة حرب منتقمة. صرخ جالور بصوت ممتزج بالخوف والتهديد:
ـ "أيتها العاقة! كيف تجرئين على الوقوف في وجه قبيلتكِ من أجل طاغية الشمال؟!"

وقفت سيلين على بعد خطوات معدودة منه، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيها، وقالت بصوت هادئ وصل إلى مسامع كل المحاربين:
ـ "قبيلتي ماتت يوم أن بعتموني للموت يا شيخ جالور. والآن، حان وقت حساب الأثمان القديمة."

قبل أن يرفع جالور عصاه السحرية، اندفعت سيلين نحوه بسرعة البرق، وأطلقت موجة نارية هائلة اجتاحت صفوف الفرسان المتقدمين، جارفة إياهم كالرياح العاتية. في تلك اللحظة، هبط "مالكازار" من الأعلى بضربة سيف واحدة شطرت الأرض بين الحصان والشيخ، ليجد جالور نفسه محاصرًا بين جحيم نيران سيلين وصقيع سيف الإمبراطور.


لكن، وبينما كانت المعركة تصل إلى ذروتها القصوى، وتستعد سيلين لتوجيه ضربتها الأخيرة للشيخ الخائن، دوى صوت غريب ومألوف من أعماق الأبراج الخلفية للقصر... صوت جرس سحري قديم لم يُقرع منذ قرون طويلة!


توقف مالكازار فجأة عن الحركة، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية للمرة الأولى. التفت نحو البرج الرئيسي، وقال بصوت مهتز:
ـ "لا يمكن... هذا مستحيل! سحر الخزانة القديمة قد فُك تمامًا!"


في نفس اللحظة، انفتح سماء القصر عن تشكيل سحري ضخم وأسود بالكامل، وظهرت في الأفق ط0يور الظل المظلمة وهي تحمل على متنها شخصًا غامضًا يرتدي قناعًا فضيًا كاملاً، وبيده كتاب أسطوري ينبعث منه ضوء أحمر قانٍ.


صرخ الشخص المقنع بصوت مزلزل تردد صداه في كل شبر من الإمبراطورية:
ـ "إمبراطور الظلال وسجينة العرش.. اللعبة انتهت. الدماء الحقيقية للمملكة تعود لمن يستحقها حقًا!"

نظرت سيلين إلى الشخص المقنع، ثم التفتت لتلتقي نظراتها بنظرات مالكازار المليئة بالتوتر والشك، بينما كانت طوابير الجيش الغامض الجديد تبدأ في الهبوط نحو الساحة، معلنة بداية حرب أشد ضراوة وأكثر غموضًا.

---
 



إعدادات القراءة


لون الخلفية