الفصل الثالث: شظايا الخيانة والدم الحارق


تصاعد الدخان الأزرق الكثيف في أرجاء قاعة العرش الكبرى، متداخلًا مع شظايا الجليد المتناثرة من سقف القصر المتهدم جزئيًا. كان الهواء محملًا بطاقة سحرية خام ومحارقة كادت تذيب الدروع الحديدية للحراس الواقفين. سقط الخاتم الملكي الأثري، المرصع بحجر الياقوت الأسود الذي ينبض كقلب بشري حقيقي، على الأرض الرخامية الباردة تمامًا بجانب حذاء سيلين، محدثًا صوتًا معدنيًا خافتًا تردد صداه في الصمت المطبق الذي أعقب الانفجار.


اتسعت عيون الجنود ذعرًا، بينما تجمدت أنفاس الحراس المحيطين بالمكان. أما "مالكازار"، فقد تراجع خطوة إلى الوراء، ودمه يغلي تحت جلده البارد من هول المفاجأة والصدمة. نظر إلى الخاتم الساقط، ثم رفع بصره المشتعل بالشرر نحو سيلين، التي كانت تقف منتصبة القامة، وقد تخلصت نهائيًا من قيود الفضة، واشتعلت عيناها بلون أزرق نقي ومخيف يعكس قوة أجدادها الأقوياء.


صاح مالكازار بصوت أشبه بزئير وحش جريج، صدى صوته يزلزل الجدران:
ـ "الخاتم... كيف وصل إلى جيبكِ وأنتِ محبوسة في أعمق زنزانات البرج الشمالي منذ لحظة وصولكِ، محاطة بسحر الحراسة والأغلال؟!"


تقدمت سيلين خطوة واحدة إلى الأمام، متجاهلة الألم الحارق في معصميها حيث مزقت الفضة جلدها، وابتسمت بتهكم بارد جعل دماء الإمبراطور تغلي أكثر:
ـ "الإمبراطور العظيم، الذي يظن أنه يملك عقول كل من في قصره، غفل عن حقيقة بسيطة جدًا: الذئاب الكبيرة لا تسرق بيدها، بل تترك كلابها الضالة تتسابق نحو الحفر المظلمة. اسأل مستشارتك المخلصَة، اسأل لورين عن الممرات السرية التي تربط خزائنك بغرف الكهنة!"


التفت مالكازار برأسه بسرعة خاطفة نحو صفوف المستشارين والكهنة المرعوبين الواقفين في زوايا القاعة. كانت "لورين" تقف بينهم، واضعة رأسها إلى الأرض، لكن يديها كانتا ترتجفان بشكل فاضح، وعيناها تنطقان باعتراف صامت بالرعب والفضيحة.


صاح مالكازار بصوت مرعب خفيض:
ـ "لورين... أيتها الحرباء الحقيرة!"

قبل أن يتحرك الإمبراطور نحوها، انطلقت لورين بسرعة جنونية نحو النافذة الحجرية الكبيرة، محطمة الزجاج الزبرجدي لتلقي بنفسها خارج القصر في محاولة يائسة للهروب عبر طيور الظل الليلية. لكن مالكازار لم يمنحها فرصة النجاة؛ ففي ومضة عين، أطلق شعاعًا من الصقيع الأسود من راحته، اخترق الهواء بسرعة البرق واستقر في صدر لورين وهي في منتصف الهواء، لتسقط جثة هامدة متجمدة في الهاوية السحيقة أسفل البرج.

ساد صمت مميت في القاعة. عاد مالكازار ببطء لينظر إلى سيلين، ووجدها واقفة بثبات كامل، لا تظهر أي علامة خوف رغم أنها تقف بمفردها أمام أخطر طاغية في القارة.

مال الإمبراطور برأسه، واقترب منها حتى أصبح بينه وبينها مسافة سنتيمترات معدودة. كانت رائحة أنفاسه تحاكي صقيع الشتاء، بينما كانت حرارة جسدها تنبض برائحة الرماد والنار المشتعلة. قال بصوت هامس وخشن، يحمل مزيجًا غريبًا من التهديد والفضول القاتل:
ـ "أنتِ لستِ مجرد رهينة سياسية أرسلها جبناء الرياح.. أنتِ كارثة مشمشة دُبرت خصيصًا لتدمير عرشي من الداخل. ومع ذلك.. لسبب لا أستطيع تفسيره، يرفض سيفي أن يخترق قلبكِ."

ردت سيلين بصوت واثق لا يرتجف، واضعًا عينيها مباشرة في عينيه الجليديتين:
ـ "لأنك لست خائفًا من الموت يا مالكازار.. أنت خائف من الوحدة، وخائف من أن تجد أخيرًا شخصًا يشبه جحيمك الداخلي."

لم يحذرها أحد من ردة الفعل التالية؛ فجأة، وبحركة خاطفة لم تستطع سيلين توقعها، مدّ مالكازار ذراعيه القويتين وأحاط بخصرها النحيل، وجذبها إليه بقوة وعنف جعل أنفاسهما تمتزج في مساحة معدومة. وضع يده الأخرى بحزم خلف رأسها، وطبع قبلة نارية قاسية ومحرقَة على شفتيها، قبلة تحمل كل غضب الجليد وعنفوان النار في آنٍ واحد.


تفاجأت سيلين من هجومه المفاجئ، وحاولت مقاومته في البداية بدفع صدره بقبضتيها، لكن الكيمياء الجارفة بين سحرهما المشتعل جعلت جسديها يلتصقان ببعضهما بشكل مغناطيسي لا يُمحى. لقد كانت قبلة حرب وانتقام ورغبة محرمة تشتعل في قلب حصن حصين.


وعندما ابتعد عنها ببطء شديد، كانت شفتاها تحملان أثر المعركة، وكانت أنفاسه متسارعة لأول مرة في حياته الإمبراطورية. نظر إليها نظرة مطولة مليئة بالتعقيد، وقال بصوت أمر حاسم:
ـ "من هذه اللحظة، أنتِ لستِ رهينة في برج الشمال.. أنتِ سجينة غرفتي الخاصة، ولن تغادري ناظري حتى أكتشف كل أسراركِ.. أو أهلك معك."



استدار مالكازار بعباءته السوداء وخرج من القاعة بخطوات واسعة، تاركًا سيلين وحدها وسط شظايا الجليد والدمار. وقبل أن تستوعب ما جرى، ظهر من خلف العمود الحجري المظلم في زاوية القاعة شخص غامض يرتدي عباءة رمداء، وألقى عند قدميها ورقة صغيرة مطوية بإحكام، كتب فيها بخط يد متسارع:
"احذري.. الإمبراطور يعلم بأمر التمرد القادم، والقبيلة تتحرك للهجوم على البوابات الغربية قبل طلوع فجر الغد!"





إعدادات القراءة


لون الخلفية