الفصل الرابع: ليل العواصف والتمرد الخفي


كانت عتمة الليل تطبق على أجنحة قصر "أوبسيديان" ككائن حي يبتلع الأنفاس. في الجناح الملكي الخاص بالإمبراطور، حيث الجدران مرصعة بعظام التنانين القديمة والمرايا السحرية المظلمة، كانت سيلين تقف أمام نافذة واسعة تطل على السهول الخارجية. كانت الورقة التي تلقتها في قاعة العرش لا تزال تحترق ببطء بين أصابعها حتى تحولت إلى رماد أسود تذروه الرياح الباردة.

"القبيلة تتحرك للهجوم عند الفجر".. هكذا كانت الرسالة واضحة لا تحتمل التأويل. شيوخ قبيلة الرياح المشتعلة لم يكتفوا بتقديمها قربانًا لمالكازار، بل كانوا يخططون لاستغلال وجودها من الداخل لشن هجوم مباغت يطيح بالإمبراطور ويقسمون إمبراطوريته بينهم. لكنهم نسوا شيئًا واحدًا: سيلين لم تعد تلك الفتاة الساذجة التي تنصاع لأوامر العجائز.

انفتح باب الجناح الملكي الثقيل بصمت مطبق، ودخل "مالكازار". لم يكن يرتدي درعه الرسمي، بل كان بقميص أسود فضفاض يكشف عن آثار ندوب قديمة على كتفه الأيمن، ويده العارية تحمل كأسًا من النبيذ الأسود الفاخر. وقف خلفها مباشرة، وظل صامتًا لعدة لحظات يتأمل انعكاس وجهها في مرآة الزجاج المظلمة.


قال مالكازار بصوت منخفض وهادئ، يحمل نبرة سخرية لا تخلو من الجدية:
ـ "يقال إن السجناء في جناحي الخاص يقضون ليلتهم الأولى في البكاء أو التخطيط للانتحار.. وأراكِ تقفين هنا تتأملين العاصفة وكأنكِ أنتِ من أطلقتِ رياحها."

لم تلتف سيلين إليه فورًا، بل واصلت النظر إلى الأفق البعيد حيث كانت ومضات البرق تبدأ في الإضاءة فوق جبال الشمال. أجابت بصوت هادئ ومدروس:
ـ "البكاء للمجانين يا مالكازار، والتخطيط للانتحار هو حصريًا من اختصاص من لا يملكون ما يخسرونه. وأنا.. خسرت كل شيء بالفعل حين بعتني قبيلتي."

استدارت سيلين ببطء لتواجهه، ووقعت عيناها مباشرة في عينيه. اقترب منها خطوة أخرى، حتى لامست حرارة جسده برودة الهواء المحيط بهما. وضع الكأس على الطاولة الرخامية المجاورة، ومد يده ليلمس خصلة من شعرها الأسود المنسدل على كتفها، قائلاً بنبرة تغيرت فيها حدة القسوة إلى شيء يشبه الاعتراف الخفي:
ـ "قبيلتكِ لا تهمكِ حقًا.. أليس كذلك؟ جئتِ إلى هنا وأنت تحملين رغبة دفينة في حرق كل شيء، تمامًا مثلي تمامًا."

هزت سيلين رأسها بالإيجاب، وقالت بتحدٍ جارح:
ـ "نعم.. أريد حرق العالم القديم كله، بكل ملوكه وجبنائه. لكنني لست مستعدة لأن أكون مجرد أداة في يد إمبراطور يستبدل جلاده كل صباح."

فجأة، وبحركة سريعة ومباغتة، أحاط مالكازار خصرها بذراعه القوية وجذبها إليه بقوة هائلة جعلت أنفاسها تتقطع. لم تكن قبلة هذه المرة، بل كان عناقًا محرقًا يفيض بالتوتر الجنسي والعاطفي الجارف؛ تداخلت طاقة سحرها المشتعل بسحر صقيعه المطلق ليتولد بينهما شعور غريب يشبه انفجار النجوم المصغرة. همس في أذنها بصوت خشن ومبحوح:
ـ "إذن أثبتي لي.. أثبتي لي أنكِ قادرة على الوقوف بجانبي حين تهتز الأرض تحت أقدام الجميع، لا أن تطعني ظهري حين تلوح فرصة الهرب."


قبل أن تتمكن سيلين من الرد عليه، دوت هزة أرضية عنيفة هزت أركان الجناح الملكي بأسره، وتناثرت زجاجات النبيذ على الأرض، وانطفأت جميع الشموع في الغرفة في وقت واحد!


"انهجوم!".. تردد صدى صرخات الحراس من الخارج، يليه صوت تحطيم البوابات الخارجية الكبرى للقصر بفعل سحر ناري هائل!

تراجع مالكازار عن سيلين بسرعة، وبرقت في عينيه شرارة غضب وحشية لا تُقهر. سحب سيفه الملكي المصنوع من الفولاذ الأسود والمسحور بدماء التنانين، وقال بصوت حاسم:
ـ "يبدو أن ضيوفكِ غير المدعوين قد وصلوا مبكرًا.. لنتعوذ سويًا يا سيلين، ولنرَ كيف يموت خونة القبائل."


استلت سيلين خنجرها الخفي من تحت رداؤها، واشتعلت يداها بنار زرقاء مرعبة، وابتسمت بحدة وقالت:
ـ "لن أموت قبل أن أرى وجه شيخ القبيلة وهو يحترق تحت قدميك."

خرجا معًا من الجناح الملكي جنبًا إلى جنب، كإعصارين مدمرين يتقدمان نحو بوابات القصر المشتعلة، حيث كانت المعركة الحاسمة على وشك أن تبدأ، وحيث كانت خيوط المؤامرة الكبرى تتكشف عن سر مرعب يربط ماضي عائلة سيلين

بدم الإمبراطور نفسه.




إعدادات القراءة


لون الخلفية