لم تكن الزنزانة المنسية بمعزل عن أسرار القصر كما ظن مالكازار. انفتح الباب الحديدي ببطء مخيف، ليُظهر طيف امرأة ترتدي رداءً قرمزيًا منسوجاً من خيوط الحرير الفاخرة، ويغطي جزءاً من وجهها قناع ذهبي دقيق النقش على شكل فراشة ليلية. كانت السيدة "لورين"، الكاهنة الكبرى ومستشارة الإمبراطور السياسية، المرأة التي تُحرك الدمى من خلف الكواليس وتعرف كل خبايا البلاط.
أغلقت لورين الباب خلفها بحذر شديد، وأضاءت شمعة صغيرة ذات لهب أصفر شاحب، وضعتها على الحجر البارد أمام سيلين.
قالت لورين بصوت ناعم، يحمل بحة غامضة ومدروسة:
ـ "يبدو أن إمبراطورنا العظيم اختار لكِ مكاناً مميزاً هذه المرة يا ابنة الرياح. عادةً، من يدخل برج الشمال لا يخرج منه سوى هيكل عظمي يزين حدائق القصر الخلفية."
رفعت سيلين رأسها، وأبقت عينيها حادتين، وقالت بصوت جاف:
ـ "إن كان لديّ هيكل عظمي ليزين حدائقه، فسيكون أول ما يغرس في قلبه قبل أن أرحل. ما الذي تبحثين عنه هنا يا كاهنة؟ هل جئتِ لتشحذي مقصلة الإمبراطور
بيدك، أم أن لديكِ مصلحة في بقائي حية؟"
ابتسمت لورين خلف قناعها، واقتربت بخطوات بطيئة لا تكاد تُحدث صوتاً، وجلست بقرفصاء أمام سيلين متجاهلة الغبار والبرد القارس.
ـ "المصالح في القصر السوداء يا سيلين تبدل كجليد الصباح. مالكازار يعتقد أنه يملك العالم بأسره، لكنه لا يرى الفجوات التي تتسع تحت عرشه. قبيلتكِ باعتكِ بثمن بخس، نعم.. لكنهم تركوا خلفهم وثائق سرية للغاية في خزينة زعيمهم، وثائق تثبت أن الإمبراطور لم يكن الحاكم الشرعي الوحيد، وأن دماء عائلتكِ هي التي تحرس السر الأكبر لمصادر السحر القديم في القارة."
ضيقت سيلين عينيها بتشكيك، وشعرت أن الخيوط تتشابك حولها بشكل معقد:
ـ "ولماذا تخبرينني بهذا؟ ما الذي تجنينه من إشعال حرب أهلية داخلية؟"
أجابت لورين بصوت هامس يحمل طعيناً خفياً:
ـ "لأنني أكره الجليد أكثر مما أكره الظلام. أنا أريد عرشاً ينبض بالحياة، لا عرشاً يحكمه طاغية جمد كل شيء من حوله. أنا أقدم لكِ صفقة: سأساعدكِ على كسر أساور الفضة بالكامل، وسأمنحكِ خريطة سرية لممرات القصر التي تؤدي إلى مستودع الأسلحة والهروب.. وفي المقابل، عندما تحين اللحظة المناسبة، ستضعين خنجركِ هذا على قلب مالكازار."
راقبت سيلين وجه الكاهنة من خلف القناع بذكاء حاد، مدركةً أن لورين تستخدمها كأداة انتقام رخيصة لتحقيق طموحاتها الخاصة في الحكم من الخلف. لكن سيلين لم تكن تملك رفاهية الاختيار؛ فالأساور كانت تستهلك طاقتها الحيوية بسرعة.
قالت سيلين بحزم:
ـ "أوافق على الخريطة والمساعدة.. لكن شروطي أنا وحدي هي التي ستسري عندما نصل إلى قمة العرش."
قبل أن تتمكن لورين من الرد، هبت عاصفة مفاجئة خارج النافذة، وصاح صوت جرس الإنذار الكبير في القصر بصوت مزلزل! تردد صدى الأجراس في الأرجاء كأنها صرخات حرب. انتفضت لورين من مكانها بخوف، واختفت شمعتها في ظلام الزنزانة، وقالت باهتاب شديد:
ـ "لقد اكتشف أمر وجودي هنا.. الحرس الملكي قادم! حاولي الاختباء، وإن وجدوكِ، تظاهري بالضعف!"
اختفت الكاهنة بسرعة البرق في الممرات المظلمة، ولم تترك سوى صدى تحذيرها ورائحة عطرها الغريب. لم تلبث سيلين ثوانٍ معدودة حتى اقتحم الجنود الزنزانة بقوة وعنف شديدين. تقدم قائدهم، وهو عملاق يرتدي درعاً ثقيلاً من الفولاذ، وأمسك بشعرها بقسوة ليرفعها عن الأرض، قائلاً:
ـ "الإمبراطور يريدكِ حالاً في قاعة العرش الكبرى.. حدث شيء لا يصدق في خزائنه الخاصة، وهو يظن أنكِ من دبرتِ الأمر من داخل زنزانتكِ المسحورة!"
سحبت سيلين نفسها بصعوبة، وألقت نظرة تحدٍ أخيرة على الجندي، ثم مشت بخطوات ثابتة ومحسوبة نحو قاعة العرش، وهي تعلم جيداً أن المعركة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن. وعندما فتحت بوابات القاعة الثقيلة، رأت مالكازار واقفاً بجانب عرشه المكسور جزئياً، والتراب يغطي يديه، وفي عينيه غضب أعمى ووحشي لم يره أحد من قبل.
اقترب منها مالكازار ببطء مدمر، ومد يده ليمسك بعنقها بغضب عارم، وصاح بصوت يشبه هدير الرعد:
ـ "من تجرأ وسرق خاتم الأجداد من قلب خزنتي المحصنة بسحر الدم والسدم؟ تكلمي أو لأجعلنكِ تحترقين حية في لهيب أزرق لا ينطفئ أبداً!"
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت أصابع الإمبراطور تكاد تخنق أنفاسها الأخيرة، انكسرت أساور الفضة بوعاء سحري مدمر انطلق من معصمي سيلين في انفجار ضوئي هائل هز أركان القصر كله، مما جعل قاعة العرش بأكملها تهتز من أساساتها، ويتطاير الزجاج المتجمد في كل اتجاه.
ولكن، المفاجأة الكبرى لم تكن في كسر القيود، بل في الشيء الذي سقط من جيب سيلين الخفي على الأرض الباردة أثناء الانفجار... لقد كان خاتم الأجداد المسروق نفسه!